أحدث المواضيع

بقلمي / محمود مسعود ( قصة قصيرة ) مذكرات زائر لمريض بالمستشفي






مذكرات زائر لمريض بالمستشفي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ما أشق علي النفس حينما تشعر بالعجز ، أنه شعور مرير قاس ، مرض أخو زوجتي فجأة ،وظل ليومين متتاليين في نوم كما اعتقدوا كما يحدث كل مرة فيقوموا بإعطائه أي شيء به سكر ولما لم يستيقظ أخذوه وهرعوا به إلي إحدى المستشفيات الخاصة ، هناك حاولوا المستحيل كما يقال ولكنهم فشلوا في إفاقته من الغيبوبة التي ألمت به نتيجة مرضه بالسكري ، وأوصي الأطباء بهذا المشفي بضرورة الإسراع به إلي المستشفي الجامعي وعدم التأخير لأن كل لحظة تمر فيها خطر علي حياته ، طلبوا الإسعاف لنقله ولظروف ما لم تلبي الإسعاف فتصرفوا ونقلوه بسيارة أجرة ، في المستشفي بعد عرضه في قسم الطوارئ تم نقله إلي وحدة طوارئ الباطنة ،وهناك بعد محاولات عديدة لجئوا إلي وضعه علي جهاز التنفس الاصطناعي ، تم إبلاغي وزوجتي بالأمر ، قررت زوجتي السفر إلي أخيها والدموع تزرف من عينيها كانت تصر علي السفر في نفس اللحظة التي أخبروها فيها بأمر أخيها ، ولما كانت وسائل المواصلات التي تتجه من البلد المقيمين بها تتحرك في الصباح الباكر أو في المساء فقط وعليه فليس هناك حل غير استئجار سيارة خاصة وفي كل الأحوال لن تصل السيارة قبل مضي اثني عشر ساعة سفر شبه متواصل ، وبعد شد وجذب مع زوجتي استطعت إقناعها بالصبر وقد هدأ روعها حينما شاهدت بعينيها تذاكر السفر التي قمت بشرائها من محطة الأتوبيس الذي يتحرك في الثالثة والنصف عصرا وهذا اقرب موعد للتحرك صوب القاهرة ،تحول المنزل عندي إلي شبه معسكر تسوده العصبية والنرفزة من أبسط الأشياء ، وفي هذا الجو المشحون والقابل للانفجار كنت أحرص علي عدم انفلات الأمور لأكثر من ذلك بالتحامل وغض الطرف عن هذه العصبية التي طغت علي زوجتي بحكم حالتها النفسية التي هي عليها الآن ،جهزت الزوجة حقيبة صغيرة بها غيارين فقط لكل منا ، وبعد أن تناولنا كلنا طعام الغذاء قامت أم أولادي وهي تكفكف دموعها قلقا وحزنا علي ما ألم بأخيها فقمت مربطا علي كتفها ومؤازرا لها قائلا : يجب أن نتقبل إرادة الله في السراء والضراء ونحن ليس لنا في أنفسنا شيئا وكله بأمر الله ادعي ربنا له بالشفاء ،ركبنا الأتوبيس في الثالثة والنصف تماما وتحرك بنا نحو القاهرة التي وصلناها في السادسة صباحا ، هرعنا في تاكسي من السيدة زينب موقف الأتوبيس إلي محطة الترجمان في قلب القاهرة ، سئلنا عن أقرب أتوبيس متجه للإسكندرية فأخبرنا عامل التذاكر بأن أقرب أتوبيس للإسكندرية سيتحرك في السابعة إلا ربع ، اشتريت تذكرتين ، هبطنا السلم الكهربائي الموصل لموقف الأتوبيس سألنا عنه عامل المحطة فأخبرنا بأنه علي وصول ، حيث أن الأتوبيس يتحرك من ألماظة مرورا بالترجمان ، انتظرنا حتي السابعة والنصف ولم يأت الأتوبيس ، بدا الركاب في الانزعاج ، وبعد محادثة مدير المحطة أبلغنا بأن الأتوبيس قد عطل في الطريق وتم استبداله بأتوبيس آخر وهو علي وصول ، بالفعل السابعة والنصف وخمسة دقائق وصل الأتوبيس والركاب كلهم حنق وضيق لشعورهم بالاستهتار بمصالح الناس ، ركبنا الأتوبيس ووصلنا الإسكندرية في حوالي الساعة الحادية عشرة صباحا ،متأخرين حوالي ساعتين عن موعدنا الأصلي ، هبطنا من الأتوبيس ، حاولت استقلال تاكسي ولكن الاستغلال وصل مداه ، المشوار الذي هو وجهتنا لا يصل إلي عشرة كيلو مترات من موقف الأتوبيس وحتى المستشفي الجامعي وبأي حال من الأحوال لا يتعدي ثمنه الخمسة عشرة جنيها ، سائق التاكسي أصر علي مبلغ الأربعين جنيها ، في هذه الحالة رضخت للسائق لأنني في عجلة من أمري ، وصلنا المستشفي ، الأمن الواقف علي بوابتها أصر علي قطع تذاكر دخول قيمتها عشرة جنيهات للتذكرتين ، بعد قطع التذاكر توجهنا إلي قسم الطوارئ ، وعلي أبواب القسم يقف عمال الأمن يمنعون الدخول وأحيانا يصل منعهم للصدام بأهل المرضي وخناقات شديدة وكأن الناس في حرب ضروس معهم ، المهم أخرجت العشرة جنيهات وأعطيتهم في الخفاء لأحدهم الذي جعلنا نمر من تلك البوابة الجهنمية بأسلوب ملتو ،دخلنا إلي عنبر الطوارئ المحجوز به أخو زوجتي ، سألنا الطبيب الذي كان متواجدا فأخبرنا والحيرة والقلق باد عليه ، لا أعلم تحديدا بماذا يعاني المريض ، وأنني أشك أن هذه غيبوبة سكر الأمر يتخطي ذلك بمراحل لأننا قمنا بعمل كل شيء تقريبا من تحاليل وأشعات فلم تظهر الآشعات أي أمر يدل علي نوع المعاناة التي يشكو منها المريض حاولنا بكل الطرق إفاقته استدعينا الأطباء الاستشاريين في الباطنة والكلي والمخ وسنعاود إجراء الآشعات من جديد ويلزمنا إجراء رسم مخ وهذا غير متوفر في المستشفي وعليه يجب عليكم استدعاء طبيب متخصص في إجراء مثل هذا الرسم ، وبعد أن ألقينا نظرة علي أخو زوجتي في الواقع تأثرت جدا من منظره الذي لا أتمناه لعدو قبل الحبيب ، كان مسجي علي سرير طبي متصل به جهاز القلب ذو الصوت المميز ، وجهاز التنفس الاصطناعي بلا حراك ، بعد قليل طلبت الممرضة المتواجدة لمتابعة حالته أن ننصرف لأسباب كثيرة أقلها التعقيم ، انصرفنا وقبل أن نغادر الحجرة أعطتنا كشفا بالعلاج المطلوب أخذناه وخرجنا ، توجهت إلي أقرب صيدلية من المستشفي ، أعطيته قائمة العلاج ، بعد دقائق أحضرها الصيدلي وطلب مني سداد قيمتها كانت بخمسمائة وخمسة جنيهات دفعتها ، عدت إلي المستشفي أوقفني عمال الأمن علي البوابة مطالبيني بقطع تذكرة ، أخرجت التذكرة التي قطعتها منذ ساعة تقريبا فأشاروا لي بالمرور، سلمنا العلاج إلي الممرضة ، شرعت أنا وزوجتي في البحث عن طبيب رسم المخ فدلتني ابنة أختي وهي ممرضة بالمستشفي إلي طبيب تعرفه شخصيا فاتصلنا به ، أخبرنا بأن ثمن عمل رسم المخ ألفا ومائتي جنيها وهذا مبلغ مخفض لأننا من طرف ابنة أختي فوافقنا ، اتصلت بأختي وطلبت منها سلفه من المال لأن المبلغ الذي أحمله تقريبا نفذ ، أحضرت لي مبلغ ثلاثة آلاف جنيه علي وعد منها بإحضار أي مبلغ آخر أحتاجه شكرتها ، دقائق وبدأ أخوات زوجتي في القدوم أخو زوجتي الكبير من أبيها ، وأخ لها من أم ، ثم أخيها الثالث وهو شقيقها من الأب والأم ، العلاقة بين أخوتها غير سوية ، فهم علي غير وئام خصوصا أخويها غير الأشقاء فهم في نزاع منذ أمد بعيد وحتى الآن ،بدا ذلك جليا في جلوس كل واحد منهم بعيدا عن الآخر وعدم مبادرة أي منهم بالسلام علي الآخر ، ما أثار حنقي وضيقي ما أشار به أخيها الشقيق وهو بالمناسبة أصغر الموجودين ، حيث تمطع وتنطع طالبا منهم نقل أخيهم الأصغر المريض إلي مستشفي خاص ، وقام أخيهم من الأب بإخراج مبلغ من المال قائلا لأخيه من أبيه بلهجة صعيدية ( خد الفلوس ومتخليش حد يصرف علي أخوك بعنجهية صعيدية مستفزة ) كان الأمر مهزلة ويبعث علي الغثيان ، وكما يقول المثل (( فقر وعنطظة ) أني لهم علاج أخيهم في مستشفي خاص والمجاني كما يزعمون قد جعلني أنا شخصيا أفرغ ما في جيوبي ولم يبدأ العلاج بعد !!! إن أية مستشفي خاص لابد وأن يكون هناك مبلغ لايقل عن خمسين أو ستين ألف جنيها يوضعوا تحت مسمي العلاج وقابل للزيادة وهم في الواقع لا يملكون من حطام الدنيا غير الستر والستر فقط ، كانت زوجتي كما يقولون سرقاها السكين وربما تعي أو لا تعي ما هي مقدمة عليه وقد وافقت علي عرض أخيها الشقيق ، جذبتها من يديها في ركن بعيد وبهدوء تام وأيقظتها من أحلام اليقظة التي تسبح فيها دون وعي وعندما سألتها من أين ستأتي هي أو هم بهذه المبالغ فقالت بأن المبالغ ستقسم عليهم جميعا بمعني سيتعاونون في توفير هذه المبالغ ، سألتها وهل نحن أي أنا وهي نملك مثل هذا المبلغ الذي سيقع علي عاتقها ،أقله سيكون من نصيبها مبلغ لا يقل عن عشرون ألف جنيها ، لم تجب ، حضر الطبيب الذي سيقوم برسم المخ في حوالي الساعة الثامنة مساءا ، كنت علي وشك الانهيار ، لم أنم أنا وزوجتي طيلة الليل ، ولم نأكل أنا وهي منذ الصباح أي شيء ، أنهي الطبيب عمل الرسم بالأجهزة المصاحبة له ، وأبلغني بأن التقرير سيكون جاهزا في خلال اثنين وسبعين ساعة علي الأكثر فرجوته بسرعة عمله لظروف حالة المريض ، فأخبرني بأنه سيعمل علي إحضاره في خلال أربعة وعشرون ساعة ، شكرته وأعطيته المبلغ المتفق عليه ، استمر وجود أخو زوجتي الأصغر في عناية الطوارئ ثلاثة أيام ، استدعوا له طبيب كلي ففحصه وأخبرهم بأن الكلي سليمة والحديث عكس ذلك ، فقد بدا علي أخو زوجتي مظاهر الانتفاخ الذي يبرهن علي وجود خطب ما في الكلي وعليه يجب عرضه علي استشاري كلي بأسرع ما يمكن ، سألنا عن أقرب طبيب استشاري كلي فاخبرونا أن عيادة رئيس قسم الكلي بالمستشفي قريب جدا من المستشفي ، توجهنا إلي العيادة وحجزنا دور بتذكرة قيمتها مائتين وخمسين جنيها ، استقبلنا الطبيب الاستشاري في مكتبه بالعيادة قصصنا عليه الأمر فطلب منا اسم المريض وسوف يقوم بكل مايلزم في اليوم التالي وعليه انصرفنا ،ذهبت أنا وزوجتي إلي منزل أختي الصغرى وهو قريب إلي حد ما من المستشفي ، بيتنا ليلتنا وفي الصباح الباكر توجهنا مرة أخري إلي المستشفي ، استقلينا تاكسي بمبلغ خمسة عشرة جنيها ، قطعنا تذاكر بعشرة جنيهات ،وما فعلته بالأمس مع عمال الأمن علي مدخل قسم الطوارئ فعلته اليوم ومع نفس الشخص ، دخلت أنا وزوجتي إلي الغرفة المحجوز بها أخيها ، أبلغنا الطبيب بأنه سيتم نقل المريض إلي عنبر طوارئ الكلي الحرجة بمبني الباطنة وأنهم يجهزونه لذلك بعد أن يتم عمل أشعة مقطعية وأخري تليفزيونية لضمها إلي التقرير المصاحب له في قسم الكلي ، قمت بحمل أخو زوجتي مع الممرضين ووضعه علي التروللي والتوجه به إلي قسم الأشعة ولحسن الحظ كان القسم في نفس الدور الذي به العناية المحجوز بها ،دخلنا حجرة الأشعة وبعد وضعه علي الجهاز وجدت نفسي وحيدا مع المريض أمام الجهاز لأنني كنت ممسكا بشيء شبه البلونه أقوم بالضغط عليه كتنفس له ، أصدر الجهاز طنينا عاليا في الواقع شعرت بالخوف ولكن القائم علي عمل الأشعة طمأنني وطلب مني الضغط باستمرار علي هذه البلونه وقد فعلت ، أنهينا الأشعة المقطعية وتوجهنا بأخو زوجتي إلي الأشعة التليفزيونية ، جاءت الطبيبة المسئولة عنها وأخذت في تصوير عدة مناطق كالقلب والرئة والكلي وكذلك الكبد ، بعد ذلك توجهنا به إلي قسم طوارئ الكلي الحرجة ، كل ذلك وأخوته الرجال لم يأتوا بعد ،استلموه وأوضعوه علي الأجهزة ، في اليوم التالي قرر الأطباء ضرورة عمل أشعة رنين مغناطيسي للتوقف علي أسباب الغيبوبة التي قضت مضاجعهم كما يقولون ، الملاحظ أن كل خطوة تتم لابد ويقابلها بذل للمال غاية في التكلفة ، وبدأت رحلة البحث عن مركز أشعة متخصص في هذا النوع وضرورة استئجار سيارة إسعاف مجهزة لمثل هذه الحالة ، بالبحث والسؤال اتضح أن المحافظة بكاملها لا يوجد بها سوي سيارتين تتبعان مستشفيين خاصتين ، حصلنا علي رقم أحدهما واتصلنا بها وتم الاتفاق علي مبلغ ثمانمائة وخمسون جنيها إيجار السيارة وحدها وإضافة مبلغ ثلاثمائة جنية أجرة الطبيب المعالج الذي سيرافق الحالة إلي مركز الأشعة ، وصلت السيارة حوالي الساعة الثانية من بعد الظهر ،اصطحبت المريض إلي مركز الأشعة القريب جدا من المستشفي مسافة لا تتعدي الخمسمائة متر ، وهناك استلموه ووضعوه علي جهاز الأشعة وقبل انتهائها طلبوا سداد ثمن الأشعة البالغ ألف وأربعمائة وخمسة وعشرون جنيها وبالفعل تم دفعهم ، في اليوم التالي حاولت إفهام زوجتي بأن ما تم صرفه مننا نحن حتي الآن تخطي الخمسة آلاف جنيه ولم تتحدد معالم أصابته بدقة وكيفية علاجها ،استلمنا بعد ساعة صور الأشعة والتقرير المصاحب لها وتوجهنا بها إلي الطبيب الذي يشرف علي أخو زوجتي في قسم العناية الحرجة الخاص بالكلي ، اطلع علي الصور والتقرير وبدا عليه الوجوم الذي بدا واضحا علي وجهه ، وبسؤال الطبيب قال وهو في حيرة : لست أدري ماذا أقول ، جميع التحاليل التي قمنا بإجرائها تؤكد علي سلامة أجهزة المريض الداخلية في بعضها خلل بالعلاج استجاب كالكلي والكبد ولم نستطع حتي الآن الوقوف علي سبب واضح لهذه الغيبوبة ، فصورة رسم المخ توضح أن هناك علل ما واليوم صور الأشعة الرنينية تؤكد ذلك أيضا و قال أيضا : هذه أول حالة تصادفني طيلة حياتي المهنية شاب يبلغ من العمر سبعة وعشرين سنة ويصاب بضمور في المخ ولا يعرف سببا لذلك !! كل ما نملكه هو الدعاء له وانتظار فرج الله لعل وعسي مع العلاج يتحسن والله المستعان . 
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلمي / محمود مسعود ( قصة قصيرة ) 13/12/2016م

ليست هناك تعليقات