ديجافو ....... بقلم أ / منال عبد الحميد
بقلم / منال عبد الحميد
الجزء الأول
دخلت إلى قاعة المطعم بالفندق العتيق الفخم .. فلم أجد صديقي بانتظاري كما وعدني !
تضايقت من هذا الأمر جداً وكدت أنصرف .. ولكنني فكرت قليلاً ، وعدت أدراجي من عند باب الفندق بعد أن كدت أغادر بالفعل .. وتذكرت أنني يجب أن أعذر " ممدوح " العزيز .. فهو طوال عمره نذل ومعتاد على إخلاف مواعيده بشكل يجعل وفاءه بأي موعد يستدعي مصرع مئة يهودي على الأقل !
جلست إلى منضدة صغيرة لطيفة بجوار نافذة ضخمة تطل على بانوراما للقاهرة الأوربية الخنفاء .. أخذت أتطلع من النافذة بضع ثوان ، حتى وجدت خادم يمر بجواري فاستوقفته ، وطلبت منه إحضار كوب من الليمون فوراً .. ذهب الخادم ليأتي بما طلبته .. وعدت أنا لتأمل البانوراما القاهرية الرائعة من خلال النافذة .. نظرت إلى ساعتي فوجدت أنها العاشرة والثلث مساء .. ساعة كاملة مرت على الموعد الذي ضربه سي " ممدوح " لي هنا دون أن يحضر بسلامته .. جاء الخادم بالليمون ، فاحتسيته ببطء متعمد .. ثم عدت للنظر إلى الساعة فوجدت أنها تعدت الحادية عشرة !
" الله يخرب بيتك يا ممدوح "
قلت ذلك في سري وأنا أصر على أسناني غيظاً وغلاً .. وفجأة قررت أن أغادر مهما كانت النتائج !
وبالفعل جمعت حاجاتي .. مجرد الموبايل وعلبة المناديل ؛ التي وضعتها على المنضدة أمامي ؛ وضعتهما في جيبي ، ونهضت من مكاني ، بعد أن تركت ثمن المشروب وبقشيش محترم على المنضدة .. اتجهت نحو باب الفندق في نفس اللحظة رأيت فتاة شقراء جميلة تدلف من الباب .. كانت الفتاة رائعة الجمال حقاً ( تحل من على المشنقة يعني ) وسعدت لرؤيتها هذا المساء الرطب .. ولكنها للأسف كانت تتأبط ذراع شاب فارع بسلسلة ولبانة وترافقه إلى داخل المطعم .. كنت بالضبط قد أصبحت خارج الفندق عندما خطر لي فجأة خاطر غريب .. أحسست فجأة أنني قد رأيت هذه الفتاة من قبل ، رأيتها وأعرفها جيداً .. نفضت رأسي محاولاً تذكر أين رأيتها ومتى فلم أفلح .. شيء واحد أصبحت على ثقة منه .. أنني قد رأيت هذه الفتاة من قبل ، رأيتها وأعرفها جيداً ، بل وأعرف الشاب المائع الذي يرافقها .. أعرفهما جيداً .. بل وأعرف ما سيحدث الآن داخل الفندق .. أعرفه ويجب أن أمنعه !
************
دخلت وراءهما إلى قاعة المطعم .. فوجدت الشاب المائع يسحب كرسياً ويقدمه للفتاة بحركة أنيقة تعبر عن شياكته وأناقته .. جلست الفتاة معبرة عن شكرها له بهزة رأس فاتنة فاهتز شعرها المنسدل الجميل .. بينما ابتسمت أنا باستهانة وقلت في نفسي بغيظ :
" عفواً يا صديقي .. تظاهر كما شئت .. ولكنني أعرف ماذا سيصدر منك بعد قليل ! "
بالفعل كنت أعرف ماذا سيحدث الآن .. قل أنني مجنون أو خيالي أو معتوه .. قل ما شئت وبرر كيفما شئت .. ولكنني متأكد أنني قد رأيت هذا المشهد من قبل .. رأيته وعشته بكل تفاصيله ، بأدق تفاصيله .. وإذا كنت في المرة السابقة وقفت متفرجاً ولم أستطع أن أمنع هذه الجريمة التي ستقع الآن ؛ مرة أخرى ؛ تحت سمعي وبصري .. فأنني هذه المرة سأتدخل وأوقف الأمر ولو حملني ذلك على ارتكاب جريمة .. فما أبشع أن تري جريمة ترتكب أمامك .. مرة ثانية !
************
بالفعل ؛ وكما أعرف مما رأيته بعيني سابقاً ؛ جلست الفتاة وجلس الولد المفعوص أمامها .. ولم تمض لحظة حتى تشابكت أيديهما واقتربت رؤوسهما من بعضها وانهمكا في محادثة هامسة تلمح من خلالها دلائل وعلامات الحب العميق الذي تكنه الفتاة لهذا الولد الذي يشبه الخضار المسلوق بدون ملح ..
وبعد دقيقة جاء الخادم نحوهما وسألهما عن طلباتهما .. وسمعت صوت الفتاة يهمس كالنسيم طالبة كوباً من عصير البرتقال ، بينما طلب الشاب بصوته المزعج طبقاً من اللحم المشوي ومكرونة وسلطة طحينة وسلطة خضراء وأخيراً كوب من عصير المانجو الطبيعي .. كل ذلك طلبه في نفس واحد وكأنه كان يعمل وابور زلط من قبل !
المهم ذهب خادم الفندق لإحضار الطلبات .. وعاد الشابان لهمسهما الخفيض الملتهب .. وكنت في أثناء تبادلهما الهمس ألقي بأذني معهما محاولاً سماع ما يقولان .. ليس لشيء ولكن لأعرف متى تحين اللحظة الحاسمة التي يجب على عندها أن أبدأ التحرك لحماية الفتاة من الخطر الذي يحيق بها والتي هي غافلة تماماً عنه .. ولئلا يتهمني أحدكم بالجنون فسأسرد عليكم الآن تفاصيل ما سيحدث .. التفاصيل الدقيقة ، أدق التفاصيل .. لتعرفا أنني رأيت هذا الموقف من قبل بكل تفاصيله .. بعد دقائق ؛ دقيقتين بالتحديد ؛ سيعود النادل حاملاً الطلبات التي طلبتها الفتاة والشاب رفيقها ، ثم سيضعها أمامهما على المنضدة وينصرف لحاله ؛ بعدها سيقبل الشاب على طعامه وكأنه غول جائع .. ويظل يأكل ويأكل بشكل مقزز بينما ترمقه الفتاة بنظراتها المندهشة المشمئزة طويلاً .. وأخيرا يصل إلى كوب المانجو ، فيتناوله بيدين غليظتين ؛ ويأخذ في ارتشافه بصوت يلفت انتباه كل الموجودين في قاعة المطعم فيرمقون الفتي ورفيقته بنظرتهم الساخرة المقتحمة .. وهنا تخجل الفتاة وتهمس لرفيقها طالبة منه الالتزام بأصول الإتيكيت أثناء شربه للعصير .. فتثور ثائرة الشاب ؛ الذي قدت أعصابه من نار ؛ ويدخل معها في مناقشة حامية ؛ بل خناقة حامية ؛ يتهمها خلالها بأنها تتعالى عليه .. وكلمة من هنا وكلمة من هناك ( وملعون أبوكي وأبو الإتيكيت يا بنت الشحاتين ) .. وقبل أن يتمكن أحد من التدخل يكون الفتي الثائر قد ألتقط سكين المائدة الفضية الموجودة أمامه وأغمدها في رقبة الفتاة .. قبل أن يستطيع أحد التدخل لإيقافه !
هذا هو ؛ بالضبط ؛ ما سيحدث الآن .. الفارق الوحيد هو أنني موجود هنا الآن .. ولن أنتظر حتى تحدث المذبحة وسأتدخل في الوقت المناسب ولن أمكن هذا الولد المائع السفيه من ذبح هذا الملاك الرقيق الذي يرافقه ..
ربما أكون مجنوناً في نظركم .. وربما أكون كذلك في نظر نفسي أيضاً .. ربما كان هذا خبل ؛ خيال مريض ؛ جنون .. ربما يكون أي شيء .. ولكن ما سيكون رأيكم إذا تسني لكم أن تروا الشاب الآن وقد أقبل على طعامه ؛ الذي أحضره إليه النادل لتوه ؛ كالغول وبدأ يأكل بأسلوب مقزز .. والفتاة قد بدأت ترمقه بنظراتها المندهشة المشمئزة بالفعل !

ليست هناك تعليقات