أيها الغريب لملم الذكرى.. أحصد الشهد فالمواجد خبزنا اليومي وبيني وبينك أقسى مما في ذاكرة الحزن... فلم تعد البلابل تشدو كل صباح، ولا الندى يهز أعطاف الورود والألسن لم تعد تلوك حكايات السواتر وأسماء القتلى وقصص الحب . جالس على كرسي خشبي والمنسوج بإتقان استنطق ساقي المبتورة لتروي لكم حكاية أيام لاتنسى على سواتر مجنونة..الهواء البارد يصفع الوجوه بقوة، ويتسلل إلى المفاصل بهدوء.. قدماي ثقيلتان تجران جسداً منهكاً أضناه حب التجوال وصرير مفاصل ساقي اسمعها تعزف لحن حزين على أرصفة الذكرى . توقفت عند شجرة هرمة أحدق إلى لحائها الموشى بأحرف لامسته برفق فتحسست جراحاتي المزمنة التي خطتها أناملي بعناية وحفرتها برفق.. كنت التقي بها هنا أيام عودتي من المعارك لأقص لها جنون تلك الحروب..ونقضي أجمل الأوقات . يا للذكرى.. أصبحت هذه الشجرة محراباً لتبتلي وخشوعي وملجأ لزفراتي وأنيني.. كنت أمنّي النفسَ كل يوم برؤيتها رغم زواجها من غيري ، فأهمس في سري لعناتٍ راعشةً على كل مَنْ حولي، أسندت رأسي على لحاء تلك الشجرة.. الشمس تتسلل عبر أوراقها تصنع خيوطها من الضوء تسيل على الأرض.. الرأس الثمل تاه في سراب لا حدود له. أفقت على صوت أنثوي ناعم لم أفهم معناه... تكرر الصوت الناعم ثانية وثالثة وأنا جامد كالصنم فأطلقت المرأة ضحكة ماجنة كشفت بها عن غمازتين مغموستين في دسامة الوجه.. كان وجهها شاحباً تنظر إلي نظراتٍ لم أستطع تأويلها.. تأملتني جيداً وأنا كالصنم ماثلٌ أمامها بلا حراك.لكزت رأسي بأطراف أصابعها، فترنح الرأس كالثمل.. ضحكت ضحكة هستيرية . لامست خدي برفق فتأوهت.. توتر جسمي كله.. تنسمت عبيرها فأسكرني.. كان عمرها بدراً وفي هالتها تسبح الأقمار، وكان صدرها ممالك النور، وفمها يصنع دائرة للرغبة لا ينفذ منها إلا من شفه الوجد. ها هو من خلال انفراجته يهتف بنداء ساخن لم تعد قدماي تقويان على الوقوف، فجلست متهالكاً، وجلست إلى جواري تهمس في أذني كلماتٍ متقطعةً لم أفهم معناها، فتفجرت في ذاكرتي طاقة هائلة من المواجع، وأحسست بأنني أمام امرأة مصنوعة من جمر..!!
زمان اللهب..!! ،،، بقلم / عقيل هاشم
مراجعة بواسطة Unknown
في
2:46:00 م
التقييم: 5
ليست هناك تعليقات