صفحة من طفولتي / جارنا العجوز
بقلم / ربيع بن المدني السملالي
لازَالتْ صُورَتُهُ مُنطَبِعةً في ذاكِرتِي ، وَاضِحةً كنهارٍ إفريقي ، منقوشةً كالْوَشْمِ فِي ظَاهِرِ الْيَدِ؟ أحفظه عن ظهر قلب ، والحِفظُ في الصّغر كالنّقش على الحجر …
...
...
ولا أظنّنِي سأنساهُ مهما بلغَ بيَ الْكِبَرُ …وكيفَ أنسى من كانَ بيتُهُ لصيقَ بيتِنا ، ونفتحُ أعيُننا عليه صبَاحَ مساء...
إنّهُ ( السّي المعطي ) الذي سحقته الثّمانونَ سنة التي يقبعُ تحت رحمتها ، الذي هدَمَتْهُ الشّيخوخةُ ، وهزمتْهُ الأيامُ والشّهورُ ..لهُ سُحنةٌ كالحةٌ مسَخها الفقرُ والإهمالُ ، وصلعةٌ كمرآةٍ صَدِئَةٍ تلُفّها عِمَامةٌ مُتآكِلةٌ ، مُثقلةٌ بعَرَقِ السّنين والأعوامِ ، ولهُ عينانِ غارِقتَانِ حَمراوانِ فيهما حُزن دائم ، وهمّ سَرْمَدِي ... وأنفه الأفطسُ تُطِلُّ منه بعضُ الشّعيرات الحادّة كَشَوكِ القتاد …كان أدْرداً ، وكُلّما غفَا غفْوَتَه المعهودةَ أمامَ بابِ دارهِ بدا فمُه المفتوحُ كمغارةٍ من مغاراتِ جبالِ أُوشْرَاحْ ...
وجلابيبُهُ وأطمارُه الباليةُ كلُّها غرابيبُ سُود . يَجلِسُ مُتّكِئا في أغلبِ الأحيان على فَرْوةِ خَروف قَاتِمة اللّون رائحتُها تزكمُ الأنوف ... غارقاً في الصّمتِ والجمود . مدفوناً في تقلبات الأنواء والزّمن ... وحاقداً على الحياة والنّاس أجمعين .
يتركُ بابَه دائماً مُنْفَرِجاً ، يُقَشّرُنا بنظراتِه العَابِسَةِ ، يتحيّنُ الفرصةَ لينقضّ على أحدِنَا ...
لم أرَهُ قطّ يبتسمُ في وجهِ أحد ، اللهمّ إلا تلك الابتسامة المغتصبة التي يردّ بها السّلام على كبار السّنّ من أمثاله ....
كان يُكثر من شتمنا ولعننا ، لأنّنا كنّا نحولُ بينه وبين هدوئِه ونومِه وراحتِه بسبب ضجيجنا ولعبنا المستميت الدّائم ، وكنّا نبالغُ في كُرهه ، ونكرّسُ بغضَنا له بلا رحمة ولا هوادة ، لأنّه هو الآخر كان يحولُ بيننا وبين مُتْعَتِنَا في اللّعب بالقرب من بيوتِنا وأمهاتِنا ، وقد مزّق كُرَتي البلاستيكية أكثر من مرّة ، التي كنت لا أجمعُ لها ثلاثة دراهم إلاّ بِشِقّ الأنفس ...وبيدٍ تخمِشُ من يُلامسُها كان يصفعنا ، يضربنا ، ويأخذ بتلابيبنا الصغيرة .. ومع مرور الأيّام وكُرور اللّيالي سلّمنا بأمر السّي المعطي وكأنّهُ مصيبة من مصائب مرحلتنا الطّفولية ، التي ينبغي الاستِسْلام لأمرها والرّضا بذلك ما دامت السّموات والأرض إلا ماشاء ربّك ..
وكم أتمنى الآن لو أنظر إليه وأُقَبِّل رأسَه وأطلب منه السّماح والعفو .. تغمّده الله برحمته...
إنّهُ ( السّي المعطي ) الذي سحقته الثّمانونَ سنة التي يقبعُ تحت رحمتها ، الذي هدَمَتْهُ الشّيخوخةُ ، وهزمتْهُ الأيامُ والشّهورُ ..لهُ سُحنةٌ كالحةٌ مسَخها الفقرُ والإهمالُ ، وصلعةٌ كمرآةٍ صَدِئَةٍ تلُفّها عِمَامةٌ مُتآكِلةٌ ، مُثقلةٌ بعَرَقِ السّنين والأعوامِ ، ولهُ عينانِ غارِقتَانِ حَمراوانِ فيهما حُزن دائم ، وهمّ سَرْمَدِي ... وأنفه الأفطسُ تُطِلُّ منه بعضُ الشّعيرات الحادّة كَشَوكِ القتاد …كان أدْرداً ، وكُلّما غفَا غفْوَتَه المعهودةَ أمامَ بابِ دارهِ بدا فمُه المفتوحُ كمغارةٍ من مغاراتِ جبالِ أُوشْرَاحْ ...
وجلابيبُهُ وأطمارُه الباليةُ كلُّها غرابيبُ سُود . يَجلِسُ مُتّكِئا في أغلبِ الأحيان على فَرْوةِ خَروف قَاتِمة اللّون رائحتُها تزكمُ الأنوف ... غارقاً في الصّمتِ والجمود . مدفوناً في تقلبات الأنواء والزّمن ... وحاقداً على الحياة والنّاس أجمعين .
يتركُ بابَه دائماً مُنْفَرِجاً ، يُقَشّرُنا بنظراتِه العَابِسَةِ ، يتحيّنُ الفرصةَ لينقضّ على أحدِنَا ...
لم أرَهُ قطّ يبتسمُ في وجهِ أحد ، اللهمّ إلا تلك الابتسامة المغتصبة التي يردّ بها السّلام على كبار السّنّ من أمثاله ....
كان يُكثر من شتمنا ولعننا ، لأنّنا كنّا نحولُ بينه وبين هدوئِه ونومِه وراحتِه بسبب ضجيجنا ولعبنا المستميت الدّائم ، وكنّا نبالغُ في كُرهه ، ونكرّسُ بغضَنا له بلا رحمة ولا هوادة ، لأنّه هو الآخر كان يحولُ بيننا وبين مُتْعَتِنَا في اللّعب بالقرب من بيوتِنا وأمهاتِنا ، وقد مزّق كُرَتي البلاستيكية أكثر من مرّة ، التي كنت لا أجمعُ لها ثلاثة دراهم إلاّ بِشِقّ الأنفس ...وبيدٍ تخمِشُ من يُلامسُها كان يصفعنا ، يضربنا ، ويأخذ بتلابيبنا الصغيرة .. ومع مرور الأيّام وكُرور اللّيالي سلّمنا بأمر السّي المعطي وكأنّهُ مصيبة من مصائب مرحلتنا الطّفولية ، التي ينبغي الاستِسْلام لأمرها والرّضا بذلك ما دامت السّموات والأرض إلا ماشاء ربّك ..
وكم أتمنى الآن لو أنظر إليه وأُقَبِّل رأسَه وأطلب منه السّماح والعفو .. تغمّده الله برحمته...

ليست هناك تعليقات