أحدث المواضيع

 
الوجبة
 
تأليف الأديب / رضا عفيفي
 
 

إستيقظت .. تحركت بصعوبه داخل العشه الصغيرة الأركان .. إرتدت ملابسها المهلهله .. جمعت بعض الآيات .. الأدعيه .. أيقظت الأطفال .. خرجت . عبرت كوبري أبو سرحه .. هذا الجسد الممتد بين تلك العشش والعمارات الشاهقه النظيفه بكل ما يمر من تحته من قاذورات المجاري . الهاموش . الباعوض . عبرت الرصيف الشاسع الإتساع أمام قسم المنتزه الأبيض اللون . شريط القطار .. إختفت داخل أول عربة ترام .. وضعت فوق الأرجل . الأذرع . بعض الآيات . الأدعيه . الحصن الحصين .. تململ بعض الركاب .. إبتسم البعض وهو يرمقها بعينيه الفاجرتين .. صدر نافر يختفي من خلف عفونة ملابسها الباليه .. يقف الترام . تنتقل من عربه الي أخري دون ملل أو تعب .. تبيع مره وتعود إليها آياتها مرات .. عندما ينسدل الليل الكئيب . تخف حركة الركاب .. تهبط محطة الرمل في رحلتها اليوميه . تمر بشارع صفيه زغلول .. تقف أمام السينمات .. تري صور الممثلين . الممثلات . تغمض عينيها في خجل .. تستمر في طريقها .. تمر أمام محلات الملابس الأنيقه. في الواجهات الزجاجيه ‘ تنعكس ملابسها .. تعبر الرصيف .. وقفت إلي جواره مره ثانيه من خلف الزجاج البني الفاتح .. إزدحم المكان بالرواد . سطعت الأضواء الباهره ‘ تحركت الأجساد علي نغمات الموسيقا الصاخبه إلتحمت عندما هدأت .. تحرك ذوي الببيونات السوداء .. تعدت القوائم ‘ مر الجرسونات يحملون أشهي المأكولات .. فرنسيه .. إنجليزيه .. عيونها المتطفله الجائعه تحجرت أمام أحدي الموائد المزدحمه .. حفل عيد الميلاد . المائده مبهرة الشكل .ظلت تراقبهم ‘ وقفت السيده .. نهداها يطلان من الفتحه الشاسعه بالصدر . نفخت . أطفأت الشموع . تعالي تصفيق الأكتاف العاريه المحيطه بها .. وقف الرجل البدين الجالس إلي جوارها بالكرافت الحمراء . أمسك يدها وزينها بأسوره تتلألأ . إلتهم الحاضرون كل ما فوق المائده من طعام .. إنتفخت ملابسهم ‘ إستطاع البعض مواصلة الرقص .. جلس البدين بلا حركه .. زاد الطعام من حجم إستدارة كرشه .. تكور.. بلعت ريقها مرات عديده .. وضعت يدها فوق بطنها الخاويه منذ الصباح .. غافل الرجل النوم .. تسللت يد الشاب إلي الصدر النافر .. استيقظ البدين فجأه صارخاً . وضع يده فوق الكره المستديره .. البالون انتفخ بشده ‘ تجمع كل من بالصاله .. أتي أحد الببيونات بالطبيب ‘ وضع يده فوق مكان الآم .. همس للجرسون ‘ إحضر بعض الماء . فوار سريع الذوبان . تلاشي الآلم ‘ طلب الرجل المزيد من الطعام .. إنصرفت .. ركبت الترام .. لم تبع شئ ‘ دست المكسب بداخل صدرها .

**********************

أمام القسم الأبيض .. كان يقف رجل بعربه خشبيه قديمه لم تراها من قبل .. عندما أقتربت علقت بأنفها رائحه الفطير .. إزدحم الماره .. أحصت ما تملك من نقود .. خمسون قرشاً حصيلة بيع الآيات الصغيره .. سألت البائع غريب الشكل والهيئه بطاقيته السوداء المستديره عن الثمن ؟ قال لها .. عشرة قروش للفطيره الواحده .. تهللت أساريرها .. هل يعقل هذا ؟!! إنصرف الجميع عنه إلا هي .. الزوج الراقد فوق المقعد منذ ثلاث سنوات ‘ لم يذق طعم الفطير .. ذات يوم كهذا حمل إليهم كيس مملؤه بالبلح بعد أن عمل طوال اليوم بثلاث جنيهات .. عبر الكوبري أمام العشه ‘ لم ينتبه .. صدمته سياره مسرعه .. طار البلح في الهواء ‘ إجتمع الناس .. جمعوا البلح . ظل هو قعيد الكرسي .. بنظرة حزن تتعمق فوق وجنتيه يوماً بعد يوم . وأطفالها الثلاثه ذهبوا جميعاً للعمل لدي المعلم السا بق لزوجها .. سيفرحون كثيرا عندما يرون تلك الوجبه الساخنه من الفطير .. نظرت إلي البائع بود .
والنبي يا خويا تكتر السكر .. العيال بيحبوه حلو قوي
إتفضلي إحنا عندنا أغلي منك .. أبيض وزي الفل .
تحمل اللفائف .. يرقص قلبها فرحاً .. تتخيل البسمه فوق وجوههم .. وفوق شفاه زوجها من أجل الأطفال .. تتذكرهم .. يرتسم الحزن ‘ تحلم بهم يرتدون زي المدرسه .. الكبير تراه يحمل فوق أكتافه نجوماً لامعه .. ضابط شرطه .. كي ينتقم لها من هذا الشرطي الذي أراد أن يرسلها للسجن لأنها دافعت عن نفسها ضد الوغد الذي حاول أن يلمس مؤخرتها .. والأصغر .دكتور بصوت مرتفع .
ليه لاء .
. . يعالج العيال من برد الصفيح الي عشش بصداه في جسمهم
البنت تبقي مهندسه .
يأتي صوت الأبن مهرولاً
.. حمدالله علي السلامه يا أمي
تحتضنه .. تعطيه اللفائف .. يسألها .. تخبره .. يطير بها إلي داخل العشه .. يضعونها فوق إحدي الكراتين .. يتناولها الأب .. يعطي كل منهم واحده ‘ يلتهمها الصغار .. يحاول إعطائهم المزيد .. ترفض قائله .
.. تعدمني ان ما أكلتها كلها .. ينصرف الصغار للعب .. تستدعيهم في عصبيه ممزوجه بالآلم .. يحضرون . تأمرهم بالأستعداد للنوم .. تشعر بدوار شديد .. يتقيأ الصغار بشده .. يرتمي الأب من فوق الكرسي علي الأرض .. لا تستطيع الصراخ .. تتماسك .. تصرخ للمره الأخيره .. تسقط . تمر الساعات .. يعلو الصراخ .. صوت نفير الأسعاف يزيد مساحه الحزن داخل عشش الجيران .
*****************************
بداخل حيز صغير في إحدي الجرائد اليوميه .. خبر يقول .. وفاه أسره من خمسه أفراد .. تناولوا وجبه فطير مسمومه .. عدم إستطاعة الشرطه القبض علي البائع .. البا ئع إستطاع الهرب إلي داخل البلاد .

 

ليست هناك تعليقات