" أحنّ إلى شارع الحبيب بورقيبة "
قصّة قصيرة
" أحنّ إلى شارع الحبيب بورقيبة "
بقلم : بديع لطيف
--------------------------------------------
" أحنّ إلى شارع الحبيب بورقيبة "
بقلم : بديع لطيف
--------------------------------------------
قضى قيلولة مريحة بـإحدى الغرف الشّاهقة من "نزل أفركا " . نام ثلاث ساعات ثمّ استنفر قائما يستعدّ لأمر في غاية الأهميّة. انـتبه إلى جوّاله المغلق ملقى على المائدة البلّوريّة. تناوله بأصابـع شفّـافة كسلانة من أثر النّوم . ضغط على الأزرار و أعاد تشغيله . تركه فــي مكانه على المائدة .رجع إلى المرآة العريضة . انـتصب أمامها و بدأ يحلق ذقنه. التقط "سنفونية بيتهوفن " فـعاد صوب الجوّال .تناوله من جديد . قرّبه من رأسه و تكلّم بصوت رخو :
- أهلا محـمّـد.
- عفوا سيّدي. إنّنـا نواجه مشاكل في الطّباعة.
- ما الأمــر؟
- خـلل فنّيّ مفاجئ أصاب بعض القطع.
- ألا يستطيع الفّنيّون تداركه.
- بلى سيّدي. هم اللّحظة بصدد إصلاحه و لكن نخشى أن يستغرق ذلك وقـتا طويلا فيتـأخّر صدور الجريدة عن موعده المعتاد.
- كـــم؟
- لست أدري يا سيدي. أنا ما طلبتكم إلاّ لأحيطكم علما .
- حسنا فعلت يا محمّـد. استمروا في واجبكم و لا يهم إن حصل بعض التّأخير.
- المهم ّهو أن تبقى على اتصال بـي.
- تفضل سيدي.
- عفـــــوا حبـيـبـي.
استأنف الاستاذ حلاقة ذقنه. غير أنّ سنفونيّة بيتهوفن عادت و همست في المكان من جديد .
- أهلا فاطمة.
- أهلا سيّدي.
- ما الأمر يا فاطمة.
- والدتكم يا سيّدي .
- ما بها الوالده ؟
- تعزف عن دوائها يا سيّدي . تصر ّعلى قدومكم حتّى تشربه.
- حسنا. ناولينـي إيّاها.
أمسك الأستـــــاذ الجوّال بأصابع يده اليسرى و عاد إلى المرآة العريضـــــة . تناول الشّفرة بيمناه ليباشر الحلاقة و الحديث في وقت واحد :
- أهلا أمّي.
- أهلا بولدي.
- قـالوا لي أنّك تعزفين عن الدّواء.
- لقاؤك دوائي يا حبـيبـي.
- و لكنّي اللّيلة بالذّات سأتأخّر على غير عادتي.
- و لماذا يا ولدي.
- العاصمة تستضيفني لليلة.
- كان الله في عونك يا حبيبي.
- عفوك أمّي. رفقا بالفتاة.
- حسنا. الآن أرضيها. فقط انـتبه أنت لنفسك.
- سلام عليك يا طيّبة.
- السلام على الغالي .
أنهى الاستاذ المكالمة ثم ّ الحلاقة. ألقى التفاتة إلى السّاعة على الحائط . هبّ إلى بيت الاستحمام . أخذ حماّما باردا أطرد نعاسا مخيّما على جسده . ثمّ عاد إلى المرآة. ارتدى بدلته الـبيضاء. صفّف شعره بمرهم رفيــع حتّى استوى إلى كتـفه . ألبس معصمه الدّقيق ساعتـه الفضّيّة . أمسك جوّاله .أغلق الغرفة . ولج المصعد . ضغط على الزّرّ فنزل إلى بهو النّزل يرفل في أناقـته. يمشي و تصحبه روائح طيّبة تنتشر في المكان و تنعش كل ّ من فيه. اتّجه صوب الخـارج. وصل سيّارته الفخمة الرّابضة غير بعيد على قارعة " شارع الحبيب بورقيبه " . فــتح بابـــها و هم ّ بالصّعود. فاجأته سنفونيّة بتهوفن مرّة أخرى. استوى جالسا أمام المـــــقود و ارتاح قلبه لصوتها يهمس في أذنه همسا:
- "النّجمة الزهراء " تعاتب الاستاذ على تأخـّره.
- و لكن ّالعرض بعد ساعة.
- كنّا نظنّك أوّل الحاضرين.
- مازالت الفرصة أمامي.
- قد سبقك خلق كثير و لا أحسبك تحظى بالمقاعد الأماميّة.
- و لو يا . سيّدتي قد أستمتع بعزفك أكثر حين تحجبك عنّي رؤوس المثقّفين.
- و لكنّي أبدع أكثر و أنت قريبا.
- أنت و حظّك. أنا الآن أهمّ بتحريك السّيّارة. نصف ساعة فقط وأكون بين أحضان " النّجمة الزّهراء" .
- سأعزف اللّيلة عشر قطع. أخصّ بك ثلاثـتها الأولى. آمل أن تسرّ بالعرض.
- سروري بك أوّلا و عاشرا .
دارت عجلات السّيّارة و طوت قلب العاصمة إلاّ أنّها عادت و توقـّفت من جديد نزل الاستـاذ و شق ّالطّريق. اقـتنى باقة ورد من أحد العارضين . لم يهدر وقـتا طويلا في انـتقاء الألوان . قضى حاجته و عاد عجلا إلى السّيّارة. فـتح بابها. وضع الباقة على اليمين و همّ بالصّعود لولا أنّ شيخا وقع دفعة واحدة على الرّصيف المحاذي. هرع لنجدته . مسكه بلطف . طبطب بالكفّ العطر على وجهه وأرسل لسانا يعبق طيبة:
- هل تعاني شيئا يا والدي.
- الدّوار. العاصمة كلّها تدور في رأسي.
- أوصلك إلى أقرب مستشفى.
- فقط أعني حتّى أسند ظهري إلى الحائط و سيخف ّالدوار يا ولدي .
أحاط الأستاذ الشّيخ بذراعيه . أجلسه أحد المقاعد الموزّعة على الرّصيف و مكث
إلى جنبه حتّى استعاد وعيه. حينها همس في أذنه ملاطفا :
- قد أدهشتك حسناوات العاصمه.
- فلتثأر لي إذن .
ضحك الاثنان ملء شدقيهما .تهامسا و تغامزا .و حين مدّ الاستاذ كفّه إلى جيبه منعه الشّيخ معاتبا :
- حاشا و كلاّ . مستورة يا ولدي.
انـتبه رجب إلى عزّة هذا الشّيخ. أكبره و قبّل يده. ثمّ ودّعه . صعد السّيّارة وأطلق لها العنان صوب تونس الشّمالية. لم يدرك أحدا في الخـارج . العرض قد انطلق و هو آخر وافدي " النّجمة الزّهراء " . طوى درجات البهو في خفّة . مدّ يده يسحب التّذكرة من جيبه فلم يجد في الجيب ما يسحب. شعر بحرج كبير و أخفاه .استرجع في لحظة شريط التقائه ذاك الشّيخ . و أدرك أنّه سُرق. تصنّع ابتسامة لجامع التّذاكر المرابط بمدخل المدرج. عادت خطاه خـلفا. جلس على مقعد في البهو الخارجي و أصاخ سمعه يروم التقاط بعض نقرات شجيّة موقّعة تخـترق الحاجز تارة فـتصله جليّة سلسة وطورا يحجبها عنه تصفيق مدوّ. حينها فقط امتـزجت عنده أمور كثيرة حتى اِلتبست عليه اِلتباسا فأسف و سعد في وقت واحد./.

ليست هناك تعليقات