أحدث المواضيع

خيط من حرير 14


 

خيط من حرير 14
بقلم : رضا عفيفي
------------------------------

أمام إحدي مستشفيات الاسكندرية وقف العجوز يلتحف ببالطو صوف غامق يميل الي اللون الاسود وسط سحاب كثيف .. كانت تتقدم بخطوات ثابتة ورشيقة واثقة .. تختطه مسرعة.. توقفت .. هزت رأسها في إنكار . استدارت برأسها إلي الخلف .. عادت مبهورة فرحة . متلهفة . نظرت جيدا . هو ذات الوجة. أعماق المحيط .. عيناة . أشعة النجوم في الليل الحالك . شعرة . شفتاة . نور عبقريتة . إنسانيتة في التعامل مع الناس . يقف ها هنا بواب ؟! اقتربت منة .. سرت قشعريرة في خلايا بدنة . لم يشعر بها منذ زمن بعيد . نظر الي قدميها . قدها . وجهها . في حركة بطيئة خائفة من المجهول . مدت يدها . نهض . أدار رأسة يخا طب احد السائلين عن الاستقبال .. قبل جبهة طفلة المريض . سكن بلا حركه . مدت يدها الي كتفة في رفق .. سنوات الهروب لم تدم طويلا .. حاول الهروب من أسئله عينيها .. أحاط بها زملاؤها . جلس‘ أخذ نفسا عميقا . نظروا إليه في انبهار..أطا لت النظر إلي

كل ذرة من جسدة .
.. بحثت عنك كثيرا يا استاذ .
.. انستي . صمت في حيرة . يجب أن تنسيني فأنت لا تعرفيني ولن تستطيعي الفهم .. ظلت شاردة في كهوف عينية , تقرأما يحاول ان يخفي . الخوف منها والحنين اليها .. ظلت تحاورة سنين وهي تعمل معة . اعترفت له بحبها .. رفض الفكره قائلا
.. ما الذي يغري فتاه جميله العينين ملائكيه الوجه ممشوقه القوام بمثلي ؟
تحرك بعض زملائها في اتجاه المستشفي .. ظل بعضهم يتابع الحديث في شغف .. لقد فهمتك يا استاذ ثم احببتك
.. لايمكن ان يجتمع الفهم والحب .. فلقد خلق الله ألاشياء كاملة.. الا الإنسان. وأنا اقل من ذبابة واصغر من برغوث .. لهم جميعا ميزة في وجودهم وليست لي ميزه. وإن كنت بالنسبه لك ولهم عبقريا ومختلفا عن جميع الرجال وأنت عن جميع النساء ؛ فأنا وأنت عاجزان علي الحياة وحدنا أو الحياة معا , اشتد ت بروده الجو .. وتحركت الرياح بشدة .. انهمرت الأمطار . اختبأ الجميع إلا هي أحضر لها مظلتة وخلع البالطو ووضعة فوق كتفيها ..
ظلت برغم هذا الرفض تطاردة .. تبحث عنة .. تعلمت منه أثناء عملها معة كصحفي وأديب معني الحب ؟ حب العدل والحكمة والحرية والدفاع عنهم مهما كان الثمن وكان ينشغل عن الناس والحياة دائما ليبحث عن الحلول والمعرفة .. ومهما تلقي من طعنات الغد ر والجحود .. وهكذا لا يمكن أن يحب من الناس .. لا رجال ولا نساء .. لكن السؤال الذي كان يقلق منامها هو كيف يعيش أدباء ومفكرون اخرون تزوجوا مره .. بل مرات ؟! وكيف تفسر هي شعورها نحوه ؟! برغم كل هذه الكلمات السخيفه التي تقال عنه . بأنه مجنون .. بأنه رأس كبير يركب جسد فأر .. عندما صارحتة بكل هذا.. صمت لثوان وجا لت العبرات في عينية .. أحمرت وجنتاة .. قال في أسي ورأسه يلفة دوار خفيف.
.. .. ليتك يا أبنتي ما اقتربتي مني ولا عرفتني يوماولا عرفتك او سمعتي مني شيئا .. أنني انسان فاشل . لم أنجح يوما في حياتي . يجب ان تبتعدي عني .أنا رجل ميت أؤمن بمبادئ فاضلة.. محنطة.. أردت أن أبعث فيها الحياه .. ثم إحولها الي سلعه أجسدها في كلمات حتي يقبل عليها الناس .. لكنني أكتشفت أنها سلعه لا يجب أن يشتريها أحد .. وإذا اشتراها ينظر اليها ثم يلقي بها الي أقرب صندوق للقمامة.. ارتسمت فوق ملامحة علامات حزن شديد. ..
أردت ان تقاطعة .. أشار اليها باطراف اصابعة .. وغمز لها بعض زملائها .. لقد أصد رت منذ زمن قرار ا بالرحيل بعيدا بألايتعامل معي أحد . فلم اعد اقول شيئا .. تجولت في الشوارع .. والمحافظات .. شاركت في حروب .. ثورات ,, تمنيت خلالها الموت .. ابتعدت عني الطلقات لتصيب الاطفال والنساء والشيوخ .. عجلات السيارات .. هروات البوليس .. ويا للعجب تبتعد عني ترفضني, لا اريد أن انساق الي عالم غريب لا اعرفه ..قالت في تحدي العالم ببواطن الامور.
أيه المعجزه!! ..
معجزه .. وجود كائن حي يرغب في وجودي .يستطيع أن ينقذني من نفسي التي دائما تحاربني .. كنت اعتقد أن أمرأه ذكيه تسطيع أن تقترب وتقبل علي هذا الاتون المتوهج الذي يجمع بين النار والجليد .. وتري أن واجبها المقدس احتواء هذا الكائن الغريب .. تدخل الي أعماق أعماقي لتري بوضوح بصيرتها وغريزتها .تفك كل هذه الالغاز المتراكمه في اعماقي .. تجيب عن سؤال . الاسئله .. فلا يخرج من عقلي سؤال واحد بعد ذلك .. قالت وهي تحاول الاقتراب منه بفرحه الغريق بقشه النجاه ..
كل ما قلته لا يعجبني ..انا .. إنني أحبك. وإذا كنت ترفض كل معاني الحياه والحب .. فأنا علي يقين من مشاعري .
قاطعها أحد الزائرين ‘حملق مبهورا بجمالها . نسي مكان التذكره . نهره بنظره جافه .. دخل مسرعا وهو ينظر خلفه ‘ أسرع قبل أن تكمل .. إنني مجرد شيخ في طريقي للرحيل .. أعد أجزاء الكفن لألملم بقايا الأنسان بداخل نفسي الحائره .
لا .. يا أستاذي وحبيبي .. إذا كنت ترفض اليقين بأي شئ أو أحد . إذا كنت مصر علي ان تكون دودة القز, التي تنسج لنفسها كفنا ونعشا من خيوط الحرير , ثم تحكم إغلاقها حتي تموت في سلام ولا يتدخل احد لانقاذها .. فقد جئت إليك قبل ان تسد اّخر باب في وجه الحياه .لانتزع من حولك خيوط الكفن .. أعطني هذا الخيط وسوف تري .. سوف أجعل للكفن نافذه .. انحصرت فجأه السحب . انقطع المطر .. لاحت في الافق البعيد بعض النجوم .أكملت ..دعني انقذ فيك بقيه الحياه .. إذا كنت تريد الموت فأنا اريد الحياه لي ولك .. العالم منذ الازل يتعاطي الحب ‘ وأنا احبك وسوف أطيل عمرك . وفي هذا أعظم دور لي يا استاذ أن أنقذ مثلك من الموت ‘ وامام زملائي هؤلاء اعاهدك .. نظر اليها في شفقه .. انهمرت قطرات من الدمع السجين ‘ فوق وجنتيه وقال.
أنت أجمل مخلوقات الله .أنت صورة لجمال الجسم والعقل ..أنا وانت سحابتان إذا التقينا نعود من اجل حياة الاخرين . لقد ابحرت في عالم المعرفة وعرفت يا ابنتي اني لا اصلح لهذا الزمان .. بحيرتي . بجهلي . بما يحتوي صدري من أسرار عينت نفسي حاجبا لها وسترا منعا .. لابد لي أن أغلق الباب لتخرجي .. انت فراشة تهجر الحياة للحياة ..
رفعت رأسها ؟ أزاحت شعرها الاسود كالليل البهيم إلي الوراء .. بدت قمرا في ليل الشتاء الحالك مدت يدها .. تراجع .. أبتسمت .. تقدمت
تمت

ليست هناك تعليقات