
رواية نهاية علي وقع الدموع
بقلم : عبد الرحيم دليل
***الفصل الثاني***
-------------------------------
بقلم : عبد الرحيم دليل
***الفصل الثاني***
-------------------------------
لم يشعر 'حازم' بالوقت كيف مضى سريعا، حتى سمع نداء أخته 'وسام' وهي تقول:" هيا استيقظ أيها الكسول لقد تأخرت عن الموعد هيا انهض بسرعة"
كانت وسام الأخت الكبرى لـ'حازم'، وكانت شديدة الحرص على إزعاجه متى ما سمحت لها الفرصة، ولذلك كانا كثيرا ما يقعان في شجار كلامي.
قال لها 'حازم' وقد بدأ يترجل من على السرير:" ما الأمر؟ لماذا تصرخين؟... ألم يكفك ما فعلته بي قبل يومان... ثم عن أي موعد تتكلمين؟"
قالت له 'وسام':" ما حدث ذاك اليوم كان بسببك فلا تلمني، ثم إنها السابعة إلا ربع وسوف تغادر الحافلة بعد ربع ساعة، أظن أن الرحلة قد فات موعدها الآن، فلا تتعب نفسك بالاستيقاظ وواصل نومك أيها الكسول"
تذكر 'حازم' أمر الرحلة، فثار غضبا في وجه أخته التي لم تختصر كلامها وزادت من ضياع الوقت:" لماذا لا توجزين كلامك؟ أنت تعلمين أن هذا الأمر يهمن كثيرا، أعدك أنني سأتدبر أمرك بعدما أعود"
نهض 'حازم' بسرعة ارتدى ثيابه ثم حمل حقيبته وإفطاره و غادر البيت راكضا بأقصى سرعة متجها نحو الثانوية، كانت المسافة طويلة جدا لهذا تأخر كثيرا.
كان صديق 'حازم' المقرب يدعى 'ماهر' قد طلب منهم أن ينتظروه خمس دقائق إضافية زيادة عن السابعة تماما، فقد كان يعلم بأنه سيأتي.
وما هي إلا لحظات حتى ظهر 'حازم' قادم من بعيد.
" وأخيرا أتى الفتى الفاشل" قال هذه الكلمات بقية الطلاب الذين كانوا بالحافلة متذمرين من تأخره.
عندما وصل 'حازم' اعتذر للمشرف وللجميع عن هذا التأخر الغير متعمد، ثم صعد الحافلة و جلس مع صديقه، وانطلقوا نحو المخيم.
قال 'ماهر' لـ'حازم' وقد كان منزعجا قليلا:" لقد كنت متشوقا للذهاب أمس لماذا تأخرت هكذا؟"
رد عليه 'حازم': أنا آسف، ولكن تعلم أن حادثة الأمس جعلتني أتعب كثيرا لذلك نمت حتى الصباح"
قال له 'ماهر': "المهم أنك وصلت"
"أنا أشكرك لوقوفك إلى جانبي"، قال 'حازم' هذه الكلمات وقد شعر بأن هناك شخصا آخر يضع له قيمة في هذا الوجود.
رد عليه 'ماهر':" لا شكر على واجب، لقد ساعدتني مرة في أداء واجباتي المدرسية، وهذا رد لذاك الجميل"
قال له 'حازم':"أجل معك حق، ومع ذلك شكرا"
وبعدما قطعت الحافلة مسافة طويلة في مدة ساعتين، وصلت أخيرا إلى ذلك المخيم الذي يقع وسط أجمل غابة في المنطقة، كان يوجد على طول محورها نهر جار رقراق، والجبال محيطة بها من كل الجوانب، وتغطي قممها ثلوج التي تتلألأ تحت أشعة الشمس الذهبية الساطعة، كان حقا مكان ساحر وخلابة.
اختار 'حازم' و رفيقه 'ماهر' أفضل موقع لنصب خيمتهما ثم قررا ككل التلاميذ القيام بجولة استكشافية فترك التلاميذ أحرارا لكن حددوا بمساحة من الخطر عليهم تجاوزها.
سار 'حازم' بمفرده طويلا بين الأشجار مستمتعا بجمال الطبيعة، حتى و صل إلى ضفة النهر، جلس عنده ثم اغترف بيده القليل من الماء وأخذ يتأمل صفاءه، وتمنى لو أن كل العالم صاف مثله.
وبعدها أخذ يتأمل ما حوله من مناظر طبيعية خلابة، ويستمع لأعذب الألحان، ويحاول أن يصفي ذهنه من كل الأفكار السلبية، حتى يستطيع إيجاد حلول لكل الأسئلة التي تحيره.
وهو على ذلك الحال حتى ...فجأة حط 'هدهد' جميل على الأرض بمسافة جد قريبة منه، كاد عقله يطير من شدة الفرحة لأنها أول مرة في حياته يرى طائرا بمثل هذا الجمال والتألق.
اقترب 'حازم' منه برفق حتى لا يطير ويبتعد عنه، إلا أن 'الهدهد' لم يتحرك وكأنه رأى 'حازم' يقترب منه ولكنه لا يبالي بذلك، ولكن عندما دنى منه أكثر طار 'الهدهد' نحو السماء ثم عاد و استقر مباشرة على يد 'حازم'.
اضطرب 'حازم' وبقي متجمدا في مكانه، ولكن الهدهد بدأ يزقزق و يضرب بجناحيه كأنه يكلمه، ولكن 'حازم' لم يفهم مراده من ذلك وبقي يحدق به، وعندما حلق الهدهد مرة أخرى إلى الأمام ثم عاد إلى يده وكرر ذلك الفعل عدة مرات، فهم 'حازم' أنه يريد منه أن يلحق به.
نهض 'حازم' بسرعة، فأطلق الهدهد العنان لجناحيه، وبدأ يطير أمام حازم الذي كان يسير خلفه بسرعة والشوق يشده لمعرفة سر هذا الطائر...
سار 'حازم' طويلا بين الأشجار وهو يلحق بالهدهد حتى وصلا إلى بناء اثري قديم تغطيه النباتات من كل جانب.
دخل 'الهدهد' المبنى فلحق به 'حازم' بسرعة حتى لا يضيع من أمام ناظريه، ثم أخذ يتنقل داخل المبنى بين أعمدته وغرفه شبه مضاءة بأشعة الشمس الخفيفة التي تدخل عبر الشقوق الموجودة في الجدران، حتى وصل إلى نهاية الطريق الذي كان به باب كبير يؤدي إلى أكبر غرفة في المبنى...
كان المكان فسيح جدا ومضاء على عكس الغرف الأخرى، ولكن بطريقة عجيبة وغريبة جدا.
لقد كان يتوسطه بركة كبيرة ماؤها فضي متلألئ، تحلق فوقه كرة من الكريستال ذات حجم كبير جدا تصدر إشعاعا فضيا، الذي كان ينعكس على بركة الماء فتضاء كل أنحاء القاعة وكأنها مصباح.
نظر 'حازم' لها بدهشة واستغراب وخوف في نفس الوقت، لأنه أمر لا يصدق أبدا.
اقترب منها وحاول أن يلمسها ولكن بحذر شديد...
وفي اللحظة التي كان ذهنه كله منصبا على لمس الكرة، صدر صوت تردد صداه في كل الأنحاء.
"...لا تلمسها... إنها خطيرة..."
فزع 'حازم' و تراجع إلى الخلف وقد تسارعت دقات قلبه لدرجة جعلت أنفاسه تتقطع، التفت نحو مصدر الصوت، الذي كان يبدوا وكأنه صادر من أمام مدخل الكهف.
ثم قال بكلمات متقطعة:" من... من...هناك؟؟؟"
"ماذا تفعله هنا يا 'حازم'؟"
أجابه 'حازم' بعدما تعرف إلى الشخص الذي يخاطبه:" أستاذ 'زياد' هل هذا أنت!؟"
أجابه المستشار 'زياد':" بالطبع أنا، فلو لم أكن قريب منك، أراقبك كل تحركاتك، لكنت اختفيت الآن وإلى الأبد، هل تدرك مقدار الخطر الذي كنت ستلاقيه أيها المتسرع؟ أولا تجاوزت الحدود و ثانيا كنت ستعبث بشيء لا علم لك به، ترى كم مرة سأحاول إنقاذك من الأخطار؟"
قال له 'حازم' بعدما استرجع أنفاسه:" لم أكن اقصد هذا، ما فعلته هو ما طلبه مني ذاك الطائر الذي على كتفك، لحقت به حتى هذا المكان ثم ... و...ولكن الم تقل لي بأنك لن تأتي إلى هنا وان لديك أعمالا كثيرة عليك انجازها؟ و... ولما تراقبني؟"
عندها قاطعه المستشار 'زياد' قائلا:" الأمر لا يعنيك، عليك العودة الآن فالظلام سيحل عما قريب وسيكتشف رفاقك والمشرف غيابك، وسيغضبون كثيرا عندما يجدوك، أنت تعرفهم خصوصا إذا تعلق الأمر بك أنت"
قال 'حازم' بعدما أبدى علامات لا مبالاة بما سيحل به عندما يعثر عليه الآخرون:"ولكن أنت لم تجبني عن ....."
أشار المستشار 'زياد' بأصبعه إلى المخرج ووجهه لـ'حازم' أمرا مباشرا:" عد بسرعة والآن"
لقد كان يعلم أن 'حازم' ينصاع لأوامره، ولا يناقشه فيها أبدا.
رد عليه 'حازم' بعدما شعر بأنه قد أغضبه:" حسنا، حسنا أنا ذاهب أرجوك لا تغضب مني"
هم 'حازم' بالمغادرة وهو ينظر للمستشار 'زياد' الذي كان يحدق بتلك الكرة العجيبة.
قال 'حازم' في نفسه:" لم يسبق لي أن رأيت الأستاذ 'زياد' غاضبا وقلقا هكذا، ترى ما به؟"
وعندما وصل 'حازم' إلى المخرج وقبل أن يخرج منه، استوقفه المستشار 'زياد' فجأة وقال له:" توقف يا 'حازم'...تعال إلى هنا، هناك شيء أود أن أقوله لك، كان علي أن أكلمك بتلك الطريقة القاسية حتى تدرك صعوبة هذا الأمر، أنت الآن أمام نقطة تحول كبيرة جدا في حياتك... وبما أنك وصلت أخيرا إلى هنا، وعلمت بأمر هذا المكان فأنصت إلي جيدا... الآن صرت أمام الحقيقة التي كنت تبحث عنها طول تلك المدة"
اقترب 'حازم' من جديد نحو المستشار 'زياد'، ولم يفهم شيئا مما قاله.
قال له 'حازم':" آه...ماذا قلت توا؟؟؟... لم أفهم شيئا، هل تعيد ذاك من فضلك؟"
رد عليه 'زياد':" لقد حل اللغز أخيرا، لا داعي لبحثك عن إجابات بعد الآن، فهذه هي القطعة التي تنقص جسدك"
تفاجأ 'حازم' وشعر لأول مرة بأن المستشار 'زياد' كان يعلم كل شيء عنه، قبل أن يخبره بذلك، فقد كان مستعدا في الأيام القادمة أن يفتح معه هذا الموضوع، ولكنه الآن وقع في حيرة كبيرة عن كيفية علمه بكل هذا.
قال له 'حازم':" ك... كيف تعلم كل هذا عني؟؟؟ أنا لم أخبر أحدا حتى أنت عما أشعر به داخل نفسي"
أجابه 'زياد' مباشرة ومن دون أي مقدمات:" أنت الولد المختار من أجل مهمة، وحدك القادر على انجازها، واعلم أنه لا يوجد بديل ولا انسحاب، على فكرة... الم تتساءل عن هذه الرحلة المفاجئة التي لم يسبق أن أقامتها أي ثانوية من قبل؟"
قال له 'حازم':" كلا... الأمر بدا عاديا"
رد عليه 'زياد':" أنا صاحب فكرة هذه الرحلة، لأن الوقت صار ضيقا و لم أستطيع الانتظار أكثر حتى انتهاء الامتحانات"
سأله 'حازم':" الوقت ضيق؟؟؟ و...ولكن بالنسبة لأي شيء؟ لماذا تتكلم بالأحاجي؟ هيا فسر لي ما يحدث الآن"
أجابه 'زياد' وقد تحرك باتجاه كرة الكريستال:" سأشرح كل شيء في وقت لاحق، عليك الاستعداد الآن لاستعادة الجزء المأخوذ منك"
قال له 'حازم' مستغربا ومتسائلا:" الاستعداد لماذا؟؟؟"
اتجه المستشار 'زياد' نحو كرة الكريستال و أخرج من جيب سترته كيسا صغيرا بداخله لؤلؤة مضيئة أمسكها وغمسها في البلورة الكبيرة التي كانت مجرد سراب...
في تلك الأثناء أخذت شدة النور تزداد، أصبح النور ساطعا ولم يستطع 'حازم' إبقاء بصره متجها نحوها حتى يعرف ما يحدث، شعر بأن شيئا ما يدخل إلى جسده من كل الأنحاء، ومن شدة تدافعه نحوه أخذ يصرخ بأعلى صوته وفجأة انفجرت الكرة، أغمي عليه ووقع مباشرة على الأرض دون أن يدرك ما الذي حدث بالضبط.
مضت ساعات كثيرة، كان زملائه قد اكتشفوا غيابه و بدؤوا بالبحث عنه، فعثروا عليه مستلقيا أسفل شجرة فظنوا أنه كان نائما طول الوقت.
بدأ 'حازم' يستعيد وعيه كان يشعر بدوار شديد، نظر حوله فوجد كل زملائه محلقين حوله.
عادوا جميعا إلى المخيم و أخذ 'حازم' يسرد لهم ما جرى معه في ذاك المكان، فانفجروا ضاحكين و لم يصدقوه قائلين "انه لم يكن سوى مجرد حلم من صنع مخيلته، أيها الحالم السخيف..."
إلا أن صديقه 'ماهر' الذي وقف لجانبه فكان في شك من أن يصدقه أو يكذبه، و عندما دخلا إلى الخيمة استفسر منه عن الأمر الذي كان يبدو ضربا من الخيال.
قال 'ماهر':" أظن انك ربما كنت تحلم؟؟؟"
رد عليه 'حازم':" أنت أيضا مثلهم! لا تصدقني".
قال 'ماهر' محاولا أن يخفف من غضبه: "كلا ولكن لا يوجد مكان كذلك أبدا في هذه المنطقة، لقد سمعت ما قاله المشرف"
قال 'حازم':" كلا انه ليس حلما، أنا متأكد من ذلك، يا إلهي ما الذي يحدث معي، أتيت لهذا المكان حتى أخفف من همومي، فأتاني هم ثقيل آخر، متى سأتحرر من كل هذا".
أجابه 'ماهر':" عندما تخلد للنوم فقد تأخر الوقت".
رد عليه 'حازم':" نم أنت ودعني لحالي، علي أن أجد حلا..."
ثم خلد إلى النوم وقد اختلطت عليه كل الأمور.
ليست هناك تعليقات
إرسال تعليق