ذات ليلة
بقلم : علي عبد الرحمن الحديثي
------------------------
لم يدع عينا إلاّ فقأها بصلافته .. وأذناً الاّ أصمها بقهقهاته التي كان
ينشرها على قارعة الطريق وبين الدروب .. لا يذكر انه تعثر يوماً بلسان
أحدهم حينما يذهب اليها بعدما ترتدي السماء ثوب الحداد .. لم يكن يضغط زر
الجرس بل يتقصد طرق الباب بقوة ليوقظ من يستطيع إيقاظه من الجيران ليقول
لهم إنه لا يبالي بهم، لتفتح له الباب بثيابها التي كاد يرى من ورائها
جسمها البض الذي يعبث به ما شاء له الهوى فوق سريرها،
مستسلمة له استسلام الميت لمغسله، وهما في عريهما التام، وفي الختام كان
يصرّ كل ليلة على أن يقبلها من شفتيها عند أذان الفجر ولا يتركهما إلاّ
عندما ينتهي الأذان، وكثيراً ما حاولت أن تعرف السبب إلاّ انه كان يكتفي
بابتسامة عليها مسحة حزن خفية وهو يرتدي ملابسه ...
وفي الصباح يعود إلى بيته، وعندما يسأل عن سهراته يضحك بصوت عالٍ ويقول:
ـ اثنان يسهران : العابد والفاجر .. وان اختلفت اهدافهما ....
ولولا جيبه او الصحراء الخالية كما كان يسميه لما كان له من أنيس بعدها سوى الخمر، فكم من مرة ومرة همس في اذنها:
ـ قسماً لولا الصحراء الخالية لسقيتك الخمر من فمي ..
لتمزق هدوء الليل بضحكتها التي امتازت بها بين بنات مهنتها، ولا يعرف سر
اختياره لها برغم من وجود من هي اجمل منها، وكلهن يتمنينه، رجاء ان يكتب
عنهن شعراً، فقد كان شاعراً معروفاً بكلماته العذبة بين اقرانه ... وبرغم
صحرائه الخالية إلاّ أن ذلك لم يمنعه من ارتياد الخمارة في بعض الليالي،
ومن ثم يذهب اليها بعد انتصاف الليل من دون تقديم أو تأخير، وكم كانت ترجوه
أن يأتي قبل هذا الوقت، بل في أي ساعة شاء من اليوم، لم يكن كغيره من
الرجال، فكل من يطرق بابها كان يبحث عن جسدها فقط، إلاّ هو فقد أشعرها أن
قلبها وجسدها كل لا يتجزأ ... لم تفعل شيئا الا قالت مع نفسها .. لعله يأتي
الآن .. ان اغتسلت وتعطرت .. لعله يأتي الآن ... ان رتبت البيت .. لعله
يأتي الآن .. ان .. لعله .. وهي تعلم انه لم يأتها بغير وقته المعهود، كم
كان يفزعها التفكير بيوم الفراق، فكلماته كانت تحمل بين حروفها هذا المعنى،
لقد كان كل شئ في حياتها .. امّا هي فلم تكن تعرف من هي عنده .. وربما هو
كذلك لا يعرف ..
قامت من مكانها لترتدي ملا بسها العارية التي اعتادت
أن تلبسها لاستقباله، وأخذت تضع على وجهها اسلحة الشيطان الفتاكة، وقبل ان
يطرق الباب بدقائق وضعت من عطره الذي أهداه لها، وها هي الساعة تعزف لحن
التمرد .. وتجلس قريبة من الباب.. ولكن الباب لم يطرق .. ضحكت في نفسها
بخوف، وأخذت تتخيل كيف ستحاكمه على تاخيره .. ساعة مرت والباب لم يطرق ..
تململت .. نهضت من مكانها .. تارة تتجول بقلق في البيت، وتارة تقف أمام
الباب والتوتر يعبث بأناملها .. ساعتين .. ثلاثاً .. لم يُطرق الباب ..
استلقت على فراشها .. وراحت تتقلب فوقه إلى أن سمعت صوت المؤذن يدعو الناس
إلى المقابلة الإلهية، فعضت شفتيها وهي تتمطق بهما، الاّ انها لم تستطع ان
تمنع دموعها عندما عرفت أن صوت المؤذن هو صوته ....
ذات ليلة
مراجعة بواسطة Unknown
في
1:44:00 م
التقييم: 5

ليست هناك تعليقات